عبد الرحمن السهيلي
63
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
تقول روح ، ولا يقوله أعرابي ، فأين إذاً كون النفس والروح بمعنى واحد لولا الغفلة عن تدبر كلام الله تعالى ؟ ! ولكن بقيت دقيقه يعرف منها السر والحقيقة ، ولا يكون بين القولين اختلاف متباين إن شاء الله ، فنقول وبالله التوفيق : الروح مشتق من الريح ، وهو جسم هوائي لطيف ، به تكون حياة الجسد عادة ، أجراها الله تعالى ؛ لأن العقل يوجب ألا يكون للجسم حياة ، حتى ينفخ فيه ذلك الروح الذي هو في تجاويف الجسد ، كما قال ابن فورك وأبو المعالي وأبو بكر المرادي ، وسبقهم إلى نحو منه أبو الحسن الأشعري ، ومعنى كلامهم واحد أو متقارب . الروح سبب الحياة فصل : فإذا ثبت أن الروح سبب الحياة عادة ، أجراها الله تعالى ، فهو كالماء الجاري في عروق الشجرة صعداً ، حتى تحيا به عادة ، فنسميه ماء باعتبار أوليته ، ونسمي أيضاً هذا روحاً باعتبار أوليته ، واعتبار النفخة التي هي ريح ، فما دام الجنين في بطن أمه حياً ، فهو ذو روح ، فإذا نشأ واكتسب ذلك الروح أخلاقاً وأوصافاً لم تكن فيه ، وأقبل على مصالح الجسم كلفاً به ، وعشق مصالح الجسد ولذاته ، ودفع المضار عنه سمي : نفساً ، كما يكتسب الماء الصاعد في الشجرة من الشجرة أوصافاً لم تكن فيه ، فالماء في العنبة مثلاً هو : ماء باعتبار الأصل والبدأة ، ففيه من الماء الميوعة والرطوبة ، وفيه من العنبة الحلاوة ، وأوصاف أخر ، فتسميه مصطاراً إن شئت ، أو خمراً إن شئت ، أو غير ذلك مما أوجبه الاكتساب لهذه الأوصاف ، فمن قال : إن النفس هي الروح على الإطلاق من غير تقييد ، فلم يحسن العبارة ، وإنما فيها من الروح الأوصاف التي تقتضيها نفخة الملك ، والملك موصوف بكل خلق كريم ؛ ولذلك قال في الحديث : فمن الروح عفافه وحلمه ووفاؤه وفهمه ، ومن النفس شهوته وغضبه وطيشه ، وذلك أن الروح كما قدمنا مازج الجسد الذي فيه الدم ، ويسمى الدم : نفساً ، وهو مجرى الشيطان ، وقد حكمت الشريعة بنجاسة الدم لسر لعله أن يفهم مما نحن بسبيله ، فمن يعرف جوهر الكلام ، وينزل الألفاظ منازلها ، لا يسمى روحاً إلا ما وقع به الفرق بين الجماد والحي ، والذي كان سبباً للحياة ، كما في الكتاب العزيز عند ذكر إحياء النطفة ، ونفخ الروح فيها ، ولا يقال : نفخ النفس فيها إلا عند الاتساع في الكلام ، وتسمية الشئ بما يؤول إليه ، ومن ههنا سمي جبريل عليه السلام : روحاً ، والوحي : روحاً ، لأن به تكون حياة القلوب ، قال الله سبحانه : « أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الُّظلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا » الأنعام وقال في الكفار : « أمْوَات غيْرُ أحْيَاء » النحل وقال في النفس ما تقدم ، وقال : « إن النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ » يوسف ولم يقل إن الروح لأمارة ؛ لأن الروح الذي هو سبب الحياة لا يأمر بسوء ، ولا يسمى أيضاً نفساً ، كما قدمنا حتى يكتسب من الجسد الأوصاف المذكورة ، وما كان نحوها ، والماء النازل من السماء جنس واحد ، فإذا مازج أجساد الشجر كالتفاح والفرسك والحنظل والعشر ، وغير ذلك اختلفت أنواعه ، كذلك الروح الباطنة التي هي من عند الله ، هي جنس واحد ، وقد أضافها إلى نفسه تشريفاً لها حين قال : ونفخ فيه من روحه ، ثم يخالط الأجساد التي خلقت من طين ، وقد كان في ذلك الطين طيب وخبيث ، فينزع كل فرع إلى أصله ، وينزع ذلك الأصل إلى ما سبق في أم الكتاب ، وإلى ما دبره وأحكمه الحكيم الخبير ، فعند ذلك تتنافر النفوس ، أو